DAR ALAHAYAT
... لكن هل تعرفون تالي فهيمة؟


نهلة الشهال الحياة 2005/01/30

بدأت القصة عند قراءة نص في صحيفة. وهكذا، يمكن للصحف (وللقراءة) أن تكون أحياناً ذات شأن عظيم، كما يظهر من حادثة واحدة، كتلك التي تخص تالي، وأمثلة أخرى متفرقة، هي على رغم ندرتها تضيء المهمة النبيلة للاعلام كوسيلة للمعرفة، مقابل التوظيف الأكثر شيوعاً له كوسيلة للدعاية وتحوير الواقع وخدمة الطغيان.

بدأت القصة عند قراءة تالي فهيمة لمقابلة أجرتها صحيفة اسرائيلية مع زكريا الزبيدي، قائد كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لفتح، في مخيم جنين للاجئين.

حتى تلك اللحظة، لم يكن يوجد لدى تالي سبب يدفعها للقلق أو للشك في ما كانت عليه: امرأة شابة مفعمة ثقةً باسرائيل، وبقيادة ارييل شارون التي تنتهج أفضل السبل «لحماية اسرائيل من هؤلاء الارهابيين العرب الذين يريدون ذبح اليهود والقائهم في البحر». كانت تالي تصوت لليكود. وكان كذلك يفعل كل أهلها في تلك القرية الواقعة على تخوم صحراء النقب. كانت سكرتيرة ناجحة، أدت سنوات خدمتها العسكرية، ومواطنة عادية، ليست مثقفة ولا تهتم بالسياسة، تنتمي الى وسط فقير كمعظم اليهود المغاربة.

إلا أن «سوسة الشك» دخلت الى ذلك اليقين المستقر عند قراءة تلك المقابلة. ماذا لو كان في ما يصفه الرجل بعض الحقيقة؟ قررت تالي ان تذهب الى مخيم جنين لترى بنفسها. وفي مخيم جنين رأت تالي!! كان ذلك منذ عام بالتمام. وتالي اليوم تقبع في السجن، تواجه تهماً خطيرة واحتمال عقوبات ثقيلة، بل ان القاضي سأل المدعي العام ان كان يطلب لها الاعدام، وما كان ذلك إلا لتضخيم خطورة فعلتها واستثنائيتها التامة، إذ لا ترد هذه العقوبة إلا في مواجهة فظائع كبرى، وكان آخر من أعدم في اسرائيل هو المجرم النازي أيخمان!

وأما من تريد اسرائيل إعدامه من الفلسطينيين، فيجري قتله مباشرة ودون المرور بتعقيدات القانون.

ولكن ما هذا الذي فعلته تالي فهيمة؟ في مخيم جنين، تعرفت تالي على زكريا الزبيدي، وعلى عائلته وأصدقائه. واكتشفت ان امرأة اسرائيلية هي الأخرى، كانت قد سبقتها الى مخيم جنين منذ سنوات بعيدة، وأقامت هناك وأسست مشروعاً تربوياً وثقافياً للأولاد الأكثر حرماناً، وأن ذكرى أرنا مير خميس ما زالت محفوظة بقوة في نفوس سكان المخيم وقد عاشت بينهم حتى آخر لحظات حياتها. قررت تالي أن تستعيد مشروع أرنا. أوقفها الأمن الاسرائيلي مرة أولى وطلب منها التعاون معه للايقاع بزكريا الزبيدي، المطلوب الأول لاسرائيل في مخيم جنين. رفضت تالي بقوة ان تتحول الى مخبر وأن تُستخدم ضد هؤلاء الذين استقبلوها بقلوب مفتوحة. وقالت للأمن انها لا تهتم بالسياسة. اعتقلت مرة ثانية وتعرضت للتعذيب، لكنها استعادت مشروعها التربوي عند اطلاق سراحها، فاعتقلت للمرة الثالثة، وهي مذاك، منذ شهر آب (اغسطس) الماضي، قيد التوقيف الإداري فيما تستمر محاكمتها بتهم أقلها «التعامل مع العدو في زمن الحرب».

قالت تالي للجنة التضامن معها التي قامت في اسرائيل ان من الأفضل لهم أن يصرفوا وقتهم وجهدهم بين الفلسطينيين وفي الدفاع عنهم، وأنهم هم، الفلسطينيون، القضية وليس هي، وان المسألة تتعلق باستعمار فريد تنبغي مجابهته.

إلا أن قصة تالي تستحق الاهتمام لأنها تكشف بنية المجتمع والدولة الاسرائيليين من «الداخل». فقد أثارت تلك الصبية غيظهم ورعبهم في آن معاً. فكيف لكائن يجمع النواقص ان يتجرأ على التمرد؟

إذاً «مزراحية» أي يهودية عربية، تخرج من حالة الطاعة القطيعية وتجتاز الحواجز النفسية (والمادية) وتكوِّن قناعتها بنفسها، ولا تكتفي بالممارسة التقليدية للمعارضين من اليهود الاسرائيليين، أي كتابة المقالات والتظاهر بين الحين والآخر، بل تندمج مع موضوعها، تطابق قناعتها وفعلها وحياتها. هذا كثير جداً! خرج شاؤول موفاز، وزير دفاع اسرائيل، يصرح شخصياً بأنه «يعرف كل شيء عنها. وهي كانت تخطط لعمل ارهابي ضد اسرائيل». امرأة وفقيرة ومزراحية ومن وسط يؤيد تقليدياً اليمين، تنشق فيما كان الانشقاق حتى اليوم حكراً - إلا في حالات شديدة الندرة - على أفراد من اليهود الاشكيناز أي الأوروبيين أو الأميركيين هم من أوساط مثقفة وميسورة ويسارية تقليدياً. وبكل الأحوال، فالذهاب بعيداً الى حد اختيار مخيم فلسطيني مكاناً للعيش والفعل كان يقطع مع حدود اللعبة المرسومة بالشكل الذي يمكن للنظام القائم أن يرضى به. لذا خرج النظام عن طوره. فقد أبرزت تالي وجود احتمال مرعب تماماً للقيمين على السلطة في اسرائيل، هو ان يكتشف أناس عاديون الكذبة الكبرى التي تشكل أساس لحمة الدعاية الايديولوجية السائدة، سواء عن قناعة بها أو كوسيلة مريحة لتبرير النفس، تلك الدعاية التي تقول ان «الفلسطينيين شعب من القتلة ليس بينهم من يريد السلام وأن السعي الاسرائيلي له قد اصطدم على الدوام بغياب الجهة المقابلة».

ليس بسيطاً أن يكتشف الكذبة أناس عاديون كثالي فهيمة، وأن يتكرر التشقق الذي مثله فعلها في ذلك البناء المتراص، وأن تحدث تشققات أخرى مثله، ولو متناهية الصغر، إلا أنها بليغة الدلالة. وهذا ليس لأن تراكمها يمكن أن يؤدي الى انقلاب في ميزان القوى داخل المجتمع الاسرائيلي، وهي عملية لا تنطبق قوانينها على آليات عمل ووجود هذا الكيان الشديد الخصوصية، بل لأن انتصار النضال الوطني الفلسطيني يتطلب، علاوة على صمود واصرار الفلسطينيين أنفسهم، تأييداً دولياً متعدد الاشكال والمستويات، لا يكتمل إلا بوجود الانشقاق اليهودي أولاً، والاسرائيلي ثانياً، عن الآلة الدعاوية والسياسية للكيان الصهيوني.

فهم ذلك جيداً سكان مخيم جنين، هؤلاء الذين عاشت بينهم حتى وفاتها ارنا مير، وقام ابنها جوليانو، وهو أيضاً ابن مناضل يساري مسيحي من حيفا، باخراج فيلم عنهم وعنها، «أبناء أرنا»، يفكك كذب الدعاية الصهيونية. ولأنهم فهموه جيداً، استقبلوا تالي فهيمة واحتضنوها، ثم ارسلوا لها الى سجنها رسالة مؤثرة تبدأ بـ«أحسنت يا تالي»، ثم تقول لها «حبهم واعتزازهم بها»، وتأمل ان «يتعلم منها الاسرائيليون شيئاً ولو قليلاً». وتقول لها الرسالة أيضاً ان «اضطهادها يتم خوفاً من أن يتبعها سواها في اجتياز حاجز الخوف». وقد وقع الرسالة زكريا الزبيدي نفسه ومقاتلون سواه ثم «أم خالد وأم محمود وأم الشيخ محمود»، وهن أمهات شهداء «وبائع القهوة في الركن» من مكان اقامتها، و«العجوز الذي يتكلم العبرية»، بالنيابة عن سكان المخيم. هؤلاء ختموا الرسالة بملاحظة تقول انهم يأملون بأن تعود تالي الى المخيم قريباً وأن يلتقوا مجدداً حول طبق المغربية أو الكسكسي. هكذا يكون قد قيل كل ما يمكن أن يقال، وما ينضح به الكائن الانساني...

 ©2003 Media Communications Group